الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
358
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
اللفظ موضوعا للعموم نعم قد يتضح الاستدلال بذلك على ما هو المختار من كونه موضوعا للأعم إذ ليس معناه الموضوع له خصوص العموم فلا يطرد صحة الاستثناء بالنسبة إليه وإنما يتبع ذلك خصوص المقامات هذا وقد يستدل على القول المذكور بوجوه أخر موهونة منها أنه لو كان للعموم لما صح أن يقال أكلت الخبز وشربت الماء وقد أكل خبزا واحدا وشرب شربة من الماء فإنه مع انتفاء الوضع يتوقف صحة الاستعمال على وجود العلاقة بينهما وحيث لا علاقة بينهما كما هو الحال في سائر العمومات إذا أريد بها الواحد حسبما فصل في محله يتعين كونه غلطا وهو ما ذكرناه من الملازمة والتالي باطل قطعا فكذا المقدم وأورد عليه بأن غاية ما يلزم من ذلك عدم صحة ذلك حقيقة وأما جوازه مجازا فلا مانع منه والقرينة عليه حاصلة في المقام لوضوح عدم تمكن أحد من أكله كل خبز وشرب جميع الماء وأورده عليه بعض الأفاضل لأن المقام محل تأمل لوضوح أن صحة التخصيص المذكور محل تشاجر بين الأصوليين ومحققوهم ذهبوا إلى المنع منه واشتراط بقاء جمع يقرب من مدلول العام كما سيجيء بيانه إن شاء الله واستندوا في المنع إلى استهجان العرف وعدم وجود العلاقة المعتبرة فلو كان المفرد المعرف عاما كان ما ذكر مندرجا تحت ذلك وكان مستهجنا في العرف خاليا عن العلاقة المعتبرة على ما ذكروه بل لو قلنا بجواز التخصيص المذكور فلا أقل من كون ذلك محلا للخلاف موردا للالتباس ممنوعا عند الجماعة مع جواز الاستعمال المذكور عند الكل بل قضاء ضرورة اللغة به حيث لا مجال لاحتمال المنع منه فكيف يبنى صحته على الوجه المذكور المختلف عنه [ فيه ] بل الممنوع منه عند المحققين فالاتفاق على صحة التعبير المذكور مع ظهور الخلاف في صحة التخصيص إلى الحد المذكور دليل على عدم استناد جوازه إلى ذلك فيكون شاهدا على عدم وضعه للعموم ولو صح ذلك أن العبارة المذكورة بناء على كون المفرد المعرف للعموم بمنزلة قولك أكلت كل خبز وشربت جميع المياه ومن الواضح استهجان الثاني في العرف وعدم جريانه في الاستعمالات والمنع منه عند الجماعة بخلاف الأول لجريانه في الاستعمال وعدم استهجانه أصلا وعدم توهم أحد حصوله المنع منه فهو أقوى دليل على الفرق وليس إلا من جهة إفادة الثاني للعموم دون الأول كما هو المدعى ويدفعه أنه إنما يتم ذلك لو انحصر طريق التجوز فيه في التخصيص كما في المثال المذكور أما لو أمكن التجوز فيه بغيره كإرادة الجنس أو العهد فلا مجال للإيراد المذكور أصلا ولا خلاف لأحد في جواز المفرد المعرف في كل من المعنيين وإن اختلفوا وضعا بالعموم على ما يتراءى من ظاهر كلماتهم وهذا هو الوجه في الاتفاق على جواز الاستعمال المذكور مع وضوح الخلاف في جواز التخصيص بالأكثر فالاحتجاج المذكور ضعيف جدا على أنه مع الغض عما ذكرنا والقول بصحة البيان المذكور فهو لا يقضي بنفي كونه حقيقة في العموم مطلقا أقصى الأمر أن يفيد عدم وضعه لخصوص العموم فلا ينافي ما اخترناه من وضعه للقدر المشترك فإن كان المقصود بالاحتجاج بيان ذلك فلا كلام وإن أريد نفي كون إطلاقه مع إرادة العموم حقيقة مطلقا فهو موهون جدا على أنه يمكن الإيراد عليه بأنه لا مانع من القول بكونه موضوعا للعموم بكون الاستعمال المذكور مجازا وما ذكر من منع إطلاق العام على الواحد على فرض تسليمه إنما يتم إذا كان على سبيل التخصيص ولا مانع من القول بكون اللام بحسب وضعه للاستغراق ويستعمل في الجنس على سبيل المجاز لعلاقة له حيث إن كلا منهما إنما يراد به تعريف مدخوله كيف وجواز إرادة الجنس من المفرد المعرف حقيقة أو مجازا مما لا خلاف فيه وإن اختلفوا في اختصاصه وضعا بالعموم على ما يتراءى من ظاهر كلامهم ومنها أنه لو كان للعموم لجاز وضعه بالجمع المعرف وتأكيده به وهو غير جائز إذ لا يقال رأيت الرجل العدول أو ذهب الفقيه كلهم وفيه أنه قد يكون من جهة مراعاة المشاكلة اللفظية قوله جواز وصفه بالجمع إلى آخره توضيح الاستدلال أنه قد وقع توصيف المفرد المحلى بالجمع المعرف في كلام من يعتد بشأنه من العرب حسبما حكاه الأخفش من العبارتين المذكورتين فيفيد ذلك جواز توصيفه به وحيث إن الجمع المحلى يفيد العموم كما مر فكذا المفرد وإلا لم يحصل المطابقة بين الموصوف والصفة قوله صحة الاستثناء يمكن أن يريد به جواز الاستثناء منه مطردا فإنه دليل الوضع للعموم وقد يراد به صحة الاستثناء منه في الجملة بدعوى كون ذلك أيضا دليلا على الوضع للعموم أو يجعل ذلك دليلا على استعماله هناك في العموم ويتمسك حينئذ في كونه حقيقة بأن الأصل في الاستعمالات الحقيقة قوله بالمنع من دلالته على العموم كأنه يريد بذلك أن العموم الحاصل في المفرد على القول به إنما يكون بدلالته على كل فرد وعموم الجمع إنما هو بدلالته على مجموع الأفراد ولا تطابق بينهما ولو قلنا بعموم المفرد فلا بد من التوجيه في تطبيق الوصف على الموصوف على كل حال ومعه لا يبقى فيه دلالة على المدعى لعدم انحصار الوجه في التوجيه وقد يتراءى من ظاهر تعبيره أن المراد بما ذكره في سند المنع أن بناء العموم هو الدلالة على كل فرد إذ العام هو اللفظ المستغرق بجميع ما يصلح له ومدلول الجمع هو مجموع الأفراد حيث أطلق الجمع في المقام على أعلى مراتبه ودلالته على خصوصيات الأفراد المندرجة تحته من قبيل دلالة الكل على أجزائه وليس ذلك من قبيل دلالة العام فلا دلالة في توصيفه به على عموم المفرد إذ لا عموم فيه كذلك حتى يفيد العموم في موصوفه ويضعفه حينئذ ما عرفت من دلالة الجمع المحلى على العموم وأن مبنى العموم يعم الوجهين ولذا ذهب المعظم إلى عموم الجمع من غير خلاف يعتد به كما مر قوله بأنه مجاز لعدم الاطراد أراد بذلك أن مجرد صحة الاستثناء في بعض الفروض لا يفيد الوضع للعموم بل عدم اطراده كما في المقام يفيد خلافه إذ لو كان موضوعا له لاطرد ذلك وجاز الاستثناء في سائر الموارد لصحة الاستثناء ومن العام في كل مقام قوله فلأنه مبني على أن عموم الجمع ليس كعموم الفرد يريد أن التحقيق أن عموم الجمع على نحو عموم المفرد فمفاد الجمع المحلى هو كل واحد من أفراده مفرده كما أن عموم المفرد هو كل واحد منه ولذا اختار بعضهم ثبوت وضع جديد للهيئة التركيبية في الجمع المحلى مفيد لذلك كما مرت الإشارة وقد يورد عليه بأن القول بحصول وضع جديد للجمع المحلى يفيد بسببه عموم الأفرادي بعيد جدا بل فاسد ظاهرا حسبما مر بيانه وإنما يفيد العموم الأفرادي من جهة تعلق الحكم بكل واحد من الجزئيات المندرجة تحت الجميع اندراج الجزء تحت الكل حيث